ابراهيم بن عمر البقاعي

563

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

إنهم آمنوا وصدقوا ثم ارتدوا وكذبوا ، فأجراهم مجرى إخوانهم في الاستئصال . فَأَخَذَتْهُمْ أي بسبب ذلك أخذ قسر وهوان صاعِقَةُ الْعَذابِ وأبلغ في وصفه بجعله نفس الهون فقال : الْهُونِ أي ذي الهون ، قامت ضمته مقام ما في الهوان من الصيغة فعلم أن المراد أنه المهين المخزي بِما كانُوا أي دائما يَكْسِبُونَ * أي يتجدد تحصيلهم له وعدهم له فائدة ، فالآية من الاحتباك : ذكر الهداية أولا دليلا على حذف الضلال ثانيا والعمى ثانيا دليلا على حذف الإبصار أولا ، وسره أنه نسب إليه أشرف فعليه ، وأسند إليهم ما لا يرضاه ذو روح . ولما أتم الخبر عن الكافرين من الفريقين ، أتبعه الخبر عن مؤمنيهم بشارة لمن اتبع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ونذارة لمن صد عنه فقال : وَنَجَّيْنَا أي تنجية عظيمة الَّذِينَ آمَنُوا أي أوجدوا هذا الوصف ولو على أدنى وجوهه من الفريقين وَكانُوا أي كونا عظيما يَتَّقُونَ * أي يتجدد لهم هذا الوصف في كل حركة وسكون فلا يقدمون على شيء بلا دليل . ولما ذكر حالهم في الدنيا ، وأشار إلى حال الآخرة ، أتبعه تفصيل ذلك فقال : وَيَوْمَ أي اذكر أيام أعداء اللّه في الدنيا في إنزال عذابه بهم وإحلال مثلاته بساحاتهم ، واذكر يوم يحشرون - هكذا كان الأصل ، ولكنه بين ما عذبوا به ليعم كل من اتصف به من الأولين والآخرين فقال : يُحْشَرُ أي يجمع بكثرة بأمر قاهر لا كلفة علينا فيه - هذا على قراءة الجماعة بالبناء للمفعول ، وعلى قراءة نافع ويعقوب بالنون مبنيا للفاعل يكون ناظرا إلى سياق « ونجينا » وفي كلتا القراءتين معنى العظمة ، فلذلك ناسبهما الاسم الأعظم الذي هو أعظم من مظهر العظمة الذي وقع الصرف عنه لما في ذكره من زيادة التوبيخ لهم والتهجين لفعلهم والتخسيس لعقولهم في قوله : أَعْداءُ اللَّهِ أي الملك الأعظم ولا يخفى إعرابه بحسب كل قراءة إِلَى النَّارِ دار الأشقياء فَهُمْ بسبب حشرهم يُوزَعُونَ * أي يدفعون ويرد بأيسر أمر أولهم على آخرهم ، ومن يريد أن يعرج منهم يمينا أو شمالا ظنا منه أنه قد يخفى بسبب كثرتهم ويزجرون زجر إهانة ، ويجمع إليهم من شذ منهم ، فإن كل شيء من ذلك نوع من العذاب . ولما بين إهانتهم بالوزع ، بين غايتها فقال : حَتَّى إِذا وأكد الكلام لإنكارهم مضمونه بزيادة النافي ليكون اجتماعه مع الإثبات نفيا للضد فيفيد غاية القوة بمضمون الخبر في تحقيقه وثباته واتصاله بالشهادة على الفور فقال : ما جاؤُها أي النار التي كانوا بها يكذبون شَهِدَ عَلَيْهِمْ حين التكوير فيها مركومين بعضهم على بعض . ولما